ابن ميثم البحراني
285
شرح نهج البلاغة
الجلد الباطن . وشفيفه : ما رقّ منه فلم يحجب البصر عن إدراك ما رآه . وتشذّب لحمه : تفرّقه . واستعار لفظ المزامير لأصوات داود عليه السّلام ولفظ الإدام للجوع ، والسراج للقمر ، والظلال لمشارق الأرض ومغاربها ، والفاكهة والريحان لما تنبت الأرض ، والدابّة للرجلين ، والخادم لليدين . ووجه الأولى مشاركة صوته عليه السّلام للمزمار وهي الآلة الَّتي يزمّر بها في الحسّ روى أنّ الوحش والطير كانت تقع عليه حال القراءة في محرابه لاستغراقها في لذّة صوته ونغمته ، ووجه الثانية قيام بدنه عليه السّلام بالجوع كقيامه بالإدام ، ووجه الثالثة مشاركة القمر للسراج في الضوء ، ووجه الرابعة استتاره عن البرد بالمشارق والمغارب كاستتاره بالظلال ، ووجه الخامسة التذاذ ذوقه وشمّه بما تنبت الأرض كما يلتذّ غيره بالفاكهة والريحان ، ووجه السادسة والسابعة قيام انتفاعه برجليه ويديه كقيامه بالدابّة والخادم . وبالجملة فحال الأنبياء المذكورين - سلام اللَّه عليهم أجمعين - في التقشّف وترك الدنيا والإعراض عنها ظاهر معلوم بالتواتر ، وأمّا كون داود قاري أهل الجنّة - كما ورد في الخبر - فلأنّ كلّ أمر حسن ينسب إلى الجنّة في العرف أو لأنّه مع حسنه جاذب إلى الجنّة وداع إلى اللَّه تعالى . ولمّا وصف حالهم عاد إلى الأمر بالتأسّي بالرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لأنّهم المأمورون بوجوب الاقتداء به مطلقا وفيه الأسوة الكافية لمن تأسّى به ولأنّه أقرب عهدا ممّن سبق ، وحثّ على التأسي به بكون المتأسّي به المقتصّ لأثره أحبّ العباد إلى اللَّه ، وذلك من قوله تعالى « قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله » ( 1 ) ثمّ عاد إلى اقتصاص من حاله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في ترك الدنيا والاقتصار منها على قدر الضرورة ليتبيّن ما يكون فيه التأسي به ، وكنّى عن ذلك بقضمها . ثمّ كنّى عن عدم التفاته لها بعدم إعادتها طرفه ، وعن كونه أقلّ الناس شبعا فيها والتفاتا إلى مأكلها ومشربها بكونه أخمصهم خاصرة وبطنا . روى عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أنّه كان إذا اشتدّ جوعه يربط حجرا على بطنه ويسمّيه المشبّع مع ملكه قطعة واسعة من الدنيا ، وروى : أنّه ما شبع آل محمّد من لحم قطَّ ، وأنّ فاطمة وبعلها وبنيها كانوا يصومون على أقراص من الشعير
--> ( 1 ) 3 - 29 .